
Photo courtesy of Marvel Television
بعد سنوات من الانتظار، يعود “مات موردوك” بحمولة ثقيلة من السوداوية، مُجسداً ببراعة من قبل الرائع تشارلي كوكس، الذي يُعيد تعريف شخصية “ديرديفل” بعمق أكبر. أول حلقتين ليستا مجرد استمرار للقصة القديمة بالمواسم السابقة، بل هما عبارة عن رحلة جديدة لديرديفل حيث يمتزج العنف بالصراع الأخلاقي في عالم يبدو أن النور قد هجره
من اللحظة الأولى، يُغرق المسلسل المشاهد في أجواء نيويورك القاتمة، تلك المدينة التي تتنفس فساداً و وحشة. هنا، حيث يتحرك “مات موردوك” بين دورين متناقضين: المحامي الذي يؤمن بالعدالة، والمنتقم الذي يرى في الدماء لغة وحيدة للإنصاف. الحلقات لا تتردد في كشف التناقضات الداخلية للبطل، خاصةً بعد الأحداث التي مر بها في المواسم السابقة، والتي تركت ندوباً نفسيةً واضحة

Photo courtesy of Marvel Television
المشهد الافتتاحي بالمسلسل صادم و مفاجئ جداً حيث يُشكل نقطة البداية لصراع مات موردوك الداخلي، الذي سيتعمق عبر الحلقات القادمة، محملاً إياه تحديات ستهدد صورته الأخلاقية وتُقلّب موازين مبادئه رأساً على عقب. المشاهد القتالية هنا ليست مجرد استعراضاً للمهارة، بل انعكاساً لجروح البطل و غضبه المكبوت. كل ضربة، كل تكسير لعظام، وكل قطرة دم تُصوَّر بتركيز، وكأن الكاميرا تريدنا أن نشعر بهذه الضربات الجسدية و النفسية العنيفة
يُبرز التصوير السينمائي في مشهد قتالي مميز بالحلقة الأولى تفاصيل الألم المعقدة على وجه “مات” بعد الصدمة الكبيرة التي واجهها بالبداية، لا كمجرد جروح جسدية، بل كمرآة تعكس صراعه النفسي العنيف. كل ضربة يوجهها تُزيح القناع عن صراع داخلي يُحطم بوصلته الأخلاقية. هذه الواقعية تجعل المشاهد يتساءل: هل هذه “عدالة” أم مجرد غطاءٌ للانتقام؟

Photo courtesy of Marvel Television
لكن القوة الحقيقية للحلقتين تكمن في الحوارات التي تطعّم الأكشن بتساؤلات فلسفية عميقة . في حوارات عديدة نسمع جمل تعلق في الذاكرة مثل: “نيويورك لا تحتاج إلى أبطال” حيث يتم التساؤل عن مدى فعالية و تأثير وجود مثل هؤلاء الأبطال بنيويورك و هل وجودهم ايجابي ام سلبي للمدينة. حتى الشخصيات الثانوية تُقدم منظوراً مُختلفاً للشر، مما يخلق تشويشاً مقصوداً في تمييز الخط الفاصل بين الخير و الشر
العنوان “يولد من جديد” ليس اختياراً عشوائياً، بل إنه نبوءة لتحولات جذرية في شخصية “مات موردوك”. الحلقتان تضعان الأسس لانهياره التدريجي جسدياً و نفسياً بعد الصدمة الموجعة التي تعرض لها، و ولادته من جديد تدرجياً محاولاً أن يعيد ضبط بوصلته الأخلاقية و المبادئ التي يحملها كمحامي و كبطل. حتى ويلسون فيسك “كِنج بين” (الذي يعود بأداء رائع من فنسنت دونوفريو) يظهر كنسخة جديدة من نفسه، حيث يتحول الشر إلى نظام مُمنهج لا يُهزم باللكمات، بل بالتفكير الاستراتيجي. هنا فيسك يصبح عمدة مدينة نيويورك و يجذب الناس بكلام و شعارات و بعض الافعال التي تبعث الأمل في تطوير المدينة و المجتمع، و لكن وراء كل هذا اهداف شخصية خبيثة، و نرى كيفية خبثه و دهائه بالتخطيط لمثل هذه الأمور و ما يفعله وراء الكواليس لفرض هيمنته على السيطرة على المدينة من خلال هدا المنصب. مثل هذه الأمور لها انعكاسات على واقع سياسي لأفراد يملكون مناصب قيادية ليس فقط بالمجتمعات الغربية بل العربية كذلك

Photo courtesy of Marvel Television
حوارات “مات موردوك” و”ويلسون فيسك” ليست مجرد تبادل كلمات، بل هي صراع وجودي بين قطبين وُلِدا من رماد ماضيهما، حاملين في طياتهما جراحات لم تُشفى. فكلاهما بعد تحولات جذرية يمثلان نسخاً “ولدتا من جديد” من ذواتهما القديمة، لكن بصمات الماضي تظل كالندب البارزة على جلديهما، تُقرأ في كل نظرة و كلمة من خلال حوارهما. ما يتميز في حوارهما هو التناقض المُدهش بين ثورتهما ضد مصائرهم السابقة، وإصرارهما المُريب على تبني أدوار جديدة تُخفي و بنفس الوقت تُظهر حقيقتهم. الحوارات هنا كأوركسترا درامية تتصاعد نغماتها بين صراخ الصمت و إيحاءات الكلام. حين يتحدثان، لا يتقاسمان المعلومات، بل يتقاسمان الوجع الذي يُشكّله الماضي المشترك. حتى عندما يختلفان حول مستقبل المدينة، فإن النقاش يتحول إلى مرآة تُظهر انهماكهما في تسوية حساباتٍ شخصيةٍ قديمة. كأن الكلمات تُحاكي لعبة الشطرنج، كل حركة تُعيد إحياء ذكريات، وكل إستراتيجية جديدة تنبع من جراحاتها القديمة
هذا النوع من الكتابة لا يصنع شخصيات فحسب، بل يخلق أساطير معاصرة، أبطال أو أشرار يجرون أذيال ماضيهم كسلاسل غير مرئية، وحواراتهم ليست سوى صوت صرير تلك السلاسل. هنا، تُدرك أن “الولادة من جديد” في هذا المسلسل ليست هروباً من الذات، بل هي صراع مع الذات، تذكرك أن التحول قد يكون أحياناً مجرد وجه آخر للاستسلام. رغم قوة السرد والأداء الممتاز للممثلين، تُشكل المؤثرات البصرية أكبر سلبيات المسلسل، حيث تظهر بعض المشاهد (خاصةً معركة القتال بسطح المبنى بالحلقة الأولى) هشّة ومصطنعة، كأنها مُقتطعة من عالم مختلف عن الواقع
المسلسل سوداودي و سيروي عطش محبي ديرديفل لقصة سوداوية مليئة بالأكشن القتالي الدموي والحوارات العميقة اللي تجعل المشاهد يفكر و يتأمل في دوافع الشخصيات و قراراتهم. أول حلقتين كانتا مليئة بالوعود: وعود بصراعات دموية، و وعود بقصة سوداوية، و وعود بأسئلة لن تجاب بسهولة و مليئة بالتشويق و الغموض. استعدوا للعودة الى هيل كيتشن في الخامس من مارس على ديزني بلس و استعدوا لرحلة سوداوية مليئة بالإثارة و التشويق. تقييمنا لأول حلقتين هو
9/10