
Image courtesy of Warner Bros Pictures.
استعمار الفضاء ومرآة الواقع (كيف يمكن للخيال العلمي أن يكشف جراح الحاضر؟)
يعود المخرج الكوري الجنوبي بونج جون-هو صاحب التحفة الفنية “بارسايت” الحاصلة على الأوسكار، بفيلمه الجديد “ميكي ١٧” ليغوص في عالم الخيال العلمي مُحمَّلاً برسائل سياسية جريئة تحمل مواضيع تتعلق عن مفاهيم الاستعمار و استغلال الثروات و يكون ذلك عبر مغامرة فضائية تحلق بفضاء الكوميديا السوداء و تكون مرآة ملوَّنة بانعكاساتٍ مُقلقة لعالمنا اليوم
تدور أحداث الفيلم في مستقبلٍ بعيد، حيث تُرسل شركة عملاقة بعثاتٍ لاستكشاف كواكبَ جديدة و التنقيب عن ثرواتها، بمساعدة “عامل للاستبدال” – هو في الحقيقة كائن مُستنسَخ يستخدم لأداء المهام الخطرة. هنا يظهر “ميكي” (روبرت باتينسون) حيث يُعاد إحياؤه بعد كل موت ليواصل العمل في مهمةٍ على كوكبٍ غريب. الفيلم يطرح أسئلةً وجوديةً حادة مثل: ما قيمة الإنسان حين يُصبح جسدُه سلعةً متاحة؟ وكيف يُعاد تعريف الهوية عندما تتعدد نسخك؟

Image courtesy of Warner Bros Pictures.
بونج جون-هو لا يخترع عالماً من عدم، بل ينسج خيوطَهُ من واقعنا. الاستعمار في ميكي ١٧ ليس غزوَ أراضٍ فحسب، بل نظاماً اقتصادياً متكاملاً. الكوكب المستعمَر ربما يكون غنيٌّ بمواردَ نادرة، تُستنزف لخدمة مجتمعات الكوكب الأصلي (الأرض)، فيما العامل المستنسخ ميكي ذوو الأصول الفقيرة يستخدم كأداة قابلة للتلف. تُقدَّم المهمة على أنها “حضارية”، بينما تُخفي إبادةً ممنهجة للبيئة و السكان الأصليين للكوكب (الحيوان الفضائي الغريب)، في إشارةٍ واضحةٍ لجرائم الاستعمار الأوروبي. العامل المستنسخ ميكي، رغم وعيه الكامل، يُجبر على التوقيع على عقودٍ “طوعية”، تُذكِّرنا باستغلال شركات التكنولوجيا للعمالة الرخيصة في دول العالم الثالث لخدمة النظام الرأسمالي المتوحش.
روبرت باتينسون يقدم أداءً مفصلياً في مسيرته. ميكي ليس بطلاً تقليدياً، بل كائناً منهكاً، يُصارع فقدانَ معنى حياته مع كل نسخةٍ جديدة. باتينسون ينقل هذا الصراع عبر تعابيرَ دقيقة حيث أن نظرة عينيه تحملُ أسىً متراكماً، وصوته الهادئ يُخفي تمرداً دفيناً، و يبدع بأداء شخصيتين مختلفتين بنفس الوقت ميكي ١٧ الذي اشرنا له سابقاً، و ميكي ١٨ الذي يكون بمثابة طفرة تكون هي بذرة الثورة و التمرد و الانقلاب على النظام الاقتصادي الرأس مالي. هنا روبيرت باتينسون يظهر بتعابير اخرى و بنبرة صوت مختلفة تشابه نبرة صوت أدائه لشخصية باتمان، و يكون عكس المستنسخ السابق ميكي ١٧ الخاضع للنظام، و هنا تمكن روعة باتينسون بأدائه الرائع للدور
(مارك رافلو) يلعب دور كينيث مارشال المسؤول عن المهمة، ببرودٍ وكراهيةٍ مُتخفية وراء ابتسامةٍ رسمية. شخصيته تُمثِّل الوجه “الإنساني” للشر، الذي يُبرر الفظائع باسم التقدم و الازدهار، و هو انعكاس واقعي لشخصيات سياسية معاصرة بوقتنا الحالي

Image courtesy of Warner Bros Pictures.
بونج جون-هو يُدخلنا في دوامةٍ من السخرية المُرّة. مشاهدُ من مثل استبدال ميكي بنسخةٍ جديدة بينما الجثة ما زالت دافئة، تُذكِّر بسهولة التخلص من العمال في الأنظمة الاستهلاكية، و حوارات ساخرة عن “كفاءة النظام” تُعرّي النفاق الرأسمالي، الذي يُقدس الإنتاجية فوق الإنسانية، لكن هذه الكوميديا ليست للجميع: فالقبح الذي تُسلط الضوء عليه قد يُشعر البعض بعدم الارتياح، و هو بالضبط ما يريده المخرج
بونج جون-كذلك يستخدم كل عنصر تقني لتعزيز رسائله. الألوان الباردة في مراكز القيادة تُقابلها أرض الكوكب القاحلة باللون الابيض ، كناية عن انفصال النخبة عن واقع الكدح.المشاهد من منظور ميكي تكون ضيقةً و مُختنقة، بينما مشاهد السلطة تكون واسعةً و مُهيمنة، كما أن موسيقى الفيلم تُناوب بين نغماتٍ إلكترونيةٍ حادة (لحظات العمل) و قطعٍ كلاسيكيةٍ كئيبة (تأملات ميكي)، كصراع بين الآلة و الإنسان.
الفيلم يضرب على وتر حساس، فاستعمار الكواكب هنا ليس إلا استعارةً لاستعمارٍ من نوعٍ آخر نعيشه اليوم مثل استعمار البيانات من قبل شركات التكنولوجيا التي تستغل معلوماتنا كمواردَ مجانية، و استعمار الأجساد من قبل عمالقة شركات الأدوية التي تستفيد من أفقر المجتمعات لتجاربها، و كذلك موضوع التدمير البيئي، فالكوكب الجديد في الفيلم يُنهب كما تُنهب غابات الأمازون اليوم مما يؤثر على الكائنات الحية التي تكون هذه الغابات هي موطنها الأصلي

Image courtesy of Warner Bros Pictures.
الفيلم لا يقدم إجابات سهلة، بل يطرح سؤالاً مُقلقاً: هل نحنُ – كمشاهدين – جزءٌ من النظام المستفيد، أم ضحاياه؟ فيلم ميكي ١٧ ليس تسليةً خفيفة، بل صرخةٌ فنية ضد آليات القمع المتجددة. قد ينتقده البعض لقسوته أو تعقيده، لكنه بلا شكٍّ أحد أهم أفلام الخيال العلمي في العقد الأخير. إذا كنتَ مستعداً لمواجهة المرايا المظلمة التي يرفعها بونج جون-هو، فشاهد هذا الفيلم، و استعد لأن تُعيد النظر في كل ما تعرفه عن “التقدم” و”الاستثمار” و “الاستعمار” و”الإنسانية”. الفيلم يذكرني كثيرا بفكرة فيلم “اوكجا” و لكن بالفضاء
الفيلم يثبت أن بونج جون-هو ما زال سيداً في نحت الأعمال التي تجمع بين الترفيه الذكي و النقد الاجتماعي الحاد. إذا كنت مستعداً لسؤالٍ وجوديٍ يطارده ضحكٌ مرير، فشاهد هذا الفيلم، لكن احذر: قد تغادر القاعة وأنت تتساءل إن كنتَ أنت أيضاً “ميكي” آخر في نظام العالم. الفيلم سيعرض بعيد الفطر السعيد بدور عرض السينما بالشرق الأوسط و تقييمنا له هو
8/10